محمد متولي الشعراوي
257
تفسير الشعراوي
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( من الآية 61 سورة الإسراء ) وقد كان وجود إبليس مع الأعلى منه وهم الملائكة . مبررا أكبر للسجود . فمادام قد صدر الأمر إلى الأعلى بالسجود فإنه ينطبق على الأدنى . وقد كان إبليس كما جاء في الأثر يسمى طاووس الملائكة . . وكان يزهو بخيلاء بينهم . . وهذه الخيلاء أو الكبر هو الذي جعله يقع في المعصية ، ولأن إبليس خلق مختارا . فقد كان مزهوا باختياره لطاعة اللّه . . قبل ان يقوده غروره إلى الكفر والمعصية . ولذلك لم يكد يصدر الأمر من اللّه بالسجود لآدم . حتى امتنع إبليس تكبرا منه . . ولم يجاهد نفسه على طاعة اللّه . . فمعصية إبليس هي معصية في القمة . لأنه رد الأمر على الآمر وظن أنه خير من آدم . . ولم يلتزم بطاعة اللّه ، ومضى غروره يقوده من معصية إلى أخرى . فطرده اللّه من رحمته وجعله رجيما . ولما عرف إبليس أنه طرد من رحمة اللّه طلب من اللّه سبحانه وتعالى أن يبقية إلى يوم الدين ، وأقسم إبليس بعزة اللّه أن يغرى بني آدم . . حدد الأماكن التي يأتي منها الاغواء . فقال : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) ( سورة الأعراف ) نلاحظ هنا أن الجهات بالنسبة للانسان ستة . اليمين والشمال . والامام والخلف وأعلى وأسفل ، ولكن إبليس لم يذكر الا أربعة فقط . أما الجهتان الأخيرتان وهما الأعلى والأسفل . فلا يستطيع إبليس أن يقترب منهما . أما الأسفل فهو مكان السجود والخضوع لله . وأما الأعلى فهو مكان صعود الصلاة والدعاء . وهذان المكانان لا يستطيع إبليس أن يقترب منهما . وهكذا نرى أن إبليس لم يمتنع عن السجود فقط . وإنما رد الأمر على الآمر . وهذا أول الكفر . ثم بعد ذلك مضى في غيه فتوعد آدم وذريته بأن يضلهم عن سبيل اللّه